التفتازاني
275
شرح المقاصد
بَأْسَنا « 1 » فجعلهم مكذبين . وصرح آخر : بأنه لو شاء لهداكم أجمعين . وقد يتمسك بقوله تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 2 » وقوله تعالى كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً « 3 » . ورد الأول بعد تسليم العموم بأن المعنى لأمرهم بالعبادة أو ليتذللوا أو ليكونوا عبادا لي . والثاني : بعد تسليم كون الإشارة إلى ما وقع بأن المعنى مكروها بين الناس وفي مجاري العادات ) . مذهب أهل الحق أن إرادة اللّه تعالى متعلقة بكل كائن ، غير متعلقة بما ليس بكائن ، على ما اشتهر من السلف ، وروي مرفوعا إلى النبي عليه السلام « إن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن » « 4 » لكن منهم من منع التفصيل بأن يقال إنه يريد الكفر والظلم والفسق كما في الخلق يقال ، إنه خالق الكل ، ولا يقال : خالق القاذورات والقردة والخنازير ، وخالفت المعتزلة في الشرور والقبائح ، فزعموا أنه يريد من الكافر الإيمان ، وإن لم يقع لا الكفر وإن وقع ، وكذا يريد من الفاسق الطاعة لا الفسق ، حتى أن أكثر ما يقع من العباد خلاف مراده . والظاهر أنه لا يصبر على ذلك رئيس قرية من عباده . حكى أنه دخل القاضي عبد الجبار « 5 » دارا للصاحب بن عباد فرأى الأستاذ أبي إسحاق الأسفرائني . فقال « سبحان من تنزه عن الفحشاء » . فقال الأستاذ على الفور « سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء » والتقصي عن ذلك « 6 » ، بأنه أراد من العباد الإيمان والطاعة برغبتهم واختيارهم ، فلا عجز ولا نقيصة ولا مغلوبية له في عدم
--> ( 1 ) سورة الأنعام آية رقم 148 . ( 2 ) سورة الذاريات آية رقم 56 . ( 3 ) سورة الإسراء آية رقم 28 . ( 4 ) الحديث رواه أبو داود في الأدب رقم 101 بلفظ ( لا قوة إلا باللّه ما شاء اللّه كان ) . ( 5 ) هو عبد الجبار بن أحمد الهمزاني أبو الحسين : قاض أصولي ، كان شيخ المعتزلة في عصره ، وهم يلقبونه قاضي القضاة ، ولا يطلقون هذا اللقب على غيره ، ولي القضاء بالري ، ومات فيها عام 415 ه له تصانيف كثيرة منها تنزيه القرآن عن المطاعن ( والأصول الخمسة ) ( والمغني في التوحيد ) . لسان الميزان 3 : 386 وتاريخ بغداد 11 : 113 . ( 6 ) في ( ب ) المفضى .